ابن أبي الحديد

31

شرح نهج البلاغة

وذلك أن الفرزدق ورد المدينة ، والأمير عليها عمر بن عبد العزيز ، فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير وأعطاه ، وقعد عنه عبد الله بن عمرو بن عفان وقصر به ، فمدح الفرزدق حمزة بن عبد الله ، وهجا عبد الله ، فقال : ما أنتم من هاشم في سرها * فاذهب إليك ولا بنى العوام قوم لهم شرف البطاح وأنتم * وضر البلاط موطئ الاقدام ( 1 ) . فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز ، فأمره أن يخرج عن المدينة ، وقال له : إن وجدتك فيها بعد ثلاث عاقبتك ، فقال الفرزدق : ما أراني إلا كثمود حين قيل لهم : ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ) ، فقال جرير يهجوه : نفاك الأغر ابن عبد العزيز * وحقك تنفى من المسجد وسميت نفسك أشقى ثمود * فقالوا ضللت ولم تهتد وقد أجلوا حين حل العذاب * ثلاث ليال إلى الموعد وجدنا الفرزدق بالموسمين خبيث المداخل والمشهد وحكى أبو عبيدة ، قال : بينا نحن على أشراف الكوفة وقوف ، إذ جاء أسماء بن خارجة الفزاري فوقف ، وأقبل ابن مكعبر الضبي فوقف متنحيا عنه ، فأخذ أسماء خاتما كان في يده ، فصه فيروزج أزرق ، فدفعه إلى غلامه ، وأشار إليه أن يدفعه إلى ابن مكعبر ، فأخذ ابن مكعبر شسع نعله ، فربطه بالخاتم ، وأعاده إلى أسماء ، فتمازحا ولم يفهم أحد من الناس ما أرادا ، أراد أسماء بن خارجة قول الشاعر : لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر * كذا كل ضبي من اللؤم أزرق .

--> ( 1 ) ديوانه 777 ، وروايته : ( في مثل أسرة هاشم )